زيادة الكهرباء.. صراع تحت القبة بين تبريرات الحكومة وصرخات "محدودي الدخل"
هدير حسن
في توقيت حساس اقتصاديًا، عادت قضية أسعار الكهرباء إلى واجهة النقاش داخل أروقة البرلمان، بعد قرار الحكومة الأخير بتحريك أسعار بعض الشرائح، وهو القرار الذي فجّر حالة من الجدل بين مؤيد يرى فيه ضرورة تفرضها الظروف، ومعارض يعتبره عبئًا جديدًا يثقل كاهل المواطنين.
اتخاذ قرارات صعبة
من جانبه، أكد النائب إبراهيم نظير، عضو لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، أن الدولة تواجه تحديات اقتصادية معقدة، تفرض عليها اتخاذ قرارات صعبة، من بينها إعادة تسعير بعض شرائح الكهرباء، خاصة الشريحة الأعلى استهلاكًا.
وأوضح أن هذه الزيادات ليست عشوائية، بل ترتبط بشكل مباشر بارتفاع تكلفة إنتاج الطاقة نتيجة المتغيرات العالمية، وعلى رأسها أسعار الوقود.
وأشار نظير في تصريحات خاصة لـ"البرلمان"، إلى أن تشغيل محطات الكهرباء يعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، وأن الدولة تضطر إلى استيراد جزء من احتياجاتها لتلبية الطلب المتزايد من مختلف القطاعات، سواء المنزلية أو الصناعية أو الخدمية، وهو ما يمثل ضغطًا كبيرًا على الموازنة العامة.
ولفت إلى أن تقديرات الموازنة كانت مبنية على سعر برميل نفط يتراوح بين 65 و70 دولارًا، في حين قفزت الأسعار عالميًا لتتجاوز حاجز 100 دولار، ما خلق فجوة واضحة بين التقديرات والتكلفة الفعلية.
زيادة الأعباء على المواطنين الملتزمين
وأضاف أن هذه الفجوة، حتى وإن بدت محدودة رقميًا، إلا أنها تمثل عبئًا ضخمًا في ظل حجم الاستهلاك الكبير للطاقة، موضحًا أن موارد الدولة، مثل إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج وقطاع السياحة، لا تزال غير كافية لمواجهة هذه الزيادة في تكلفة الاستيراد.
وفي سياق متصل، شدد نظير على أن الحكومة راعت البعد الاجتماعي في قراراتها، من خلال نظام الشرائح الذي يوزع الأعباء بشكل أكثر عدالة، بحيث تتحمل الفئات الأعلى استهلاكًا نسبة أكبر من التكلفة، بينما يتم تخفيف العبء عن محدودي الدخل.
كما أشار إلى أهمية ترشيد الاستهلاك، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، باعتباره أحد الحلول الفعالة لتقليل الضغط على الشبكة وخفض الفاتورة.
ولم يغفل نظير الإشارة إلى أزمة الفاقد في منظومة الكهرباء، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا منه يعود إلى سرقات التيار، وهو ما يتطلب إجراءات حاسمة من الحكومة لضبط هذه المخالفات وتقنين الأوضاع، نظرًا لما يمثله هذا الفاقد من نزيف مستمر ينعكس سلبًا على كفاءة المنظومة ويزيد الأعباء على المواطنين الملتزمين.
الشفافية الكاملة من جانب الحكومة
في المقابل، جاء موقف النائب خالد راشد، عضو مجلس الشيوخ، أكثر حدة وانتقادًا، حيث سخر من القرار معتبرًا أنه يعيد المواطنين إلى “العصر الحجري”، في إشارة إلى حجم الضغوط التي قد تترتب على هذه الزيادة، خاصة في ظل موجة الغلاء التي تشهدها الأسواق.
وأكد راشد في تصريحات خاصة لـ"البرلمان"، أن توقيت القرار غير مناسب، مشيرًا إلى أن المواطنين لم يستوعبوا بعد الزيادات السابقة في أسعار الوقود والخدمات، وكان من الأولى – بحسب رأيه – تأجيل أي زيادات جديدة في الكهرباء، باعتبارها من أساسيات الحياة اليومية وليست سلعة يمكن الاستغناء عنها.
وطالب راشد بضرورة الشفافية الكاملة من جانب الحكومة، داعيًا إلى الإفصاح عن التكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء، وما إذا كانت الأسعار الحالية تعكس هذه التكلفة بالفعل أم تتجاوزها. كما تساءل عن مكونات هذه التكلفة، وما إذا كانت تشمل بنودًا إدارية ومصروفات تشغيلية قد يتحملها المواطن في النهاية دون وضوح.
وأشار إلى احتمال وجود خلل في إدارة ملف الكهرباء، موضحًا أن الأزمة قد لا تكون في نقص الموارد بقدر ما ترتبط بكفاءة الإدارة، وهو ما قد يؤدي إلى تحميل المواطنين أعباء إضافية دون مبرر واضح.
كما لفت إلى ارتفاع نسب الفاقد في الكهرباء، والتي قد تصل – وفق تقديرات متداولة – إلى ما بين 30% و50%، داعيًا إلى إجراء دراسات دقيقة لتحديد أسباب هذا الهدر، سواء كان نتيجة فقد في الشبكات أو ممارسات غير قانونية.
التوسع في استخدام الطاقة الشمسية
وفي طرح بديل، شدد راشد على ضرورة التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، مستفيدًا من الإمكانات الطبيعية التي تتمتع بها مصر، مطالبًا بتقديم حوافز للمستثمرين وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين، إلى جانب التوسع في التصنيع المحلي لمكونات هذه الأنظمة.
واقترح أيضًا إلزام المشروعات الكبرى باستخدام الطاقة الشمسية، مع منحها حوافز ضريبية، بما يساهم في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وخفض التكلفة على المدى الطويل.
وبين وجهتي النظر، تبدو أزمة الكهرباء في مصر وكأنها معادلة دقيقة تتأرجح بين ضغوط الواقع الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية، حيث تسعى الحكومة إلى تحقيق التوازن بين استدامة الخدمة وتقليل الأعباء، في حين يطالب نواب البرلمان بمزيد من الشفافية والحلول البديلة، لتخفيف وطأة الأزمة على المواطنين







