الثانوية العامة على المحك.. الغش الإلكتروني والأخلاقيات المفقودة تهدد مستقبل الطلاب والدولة
أسامة أبو الدهب
تظل أزمة الغش في امتحانات الثانوية العامة أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية في مصر، وسط تكرار حالات الغش الإلكتروني واليدوي، وتفشي استخدام وسائل غير مشروعة مثل سماعات الغش وجروبات “تليجرام” المنظمة لتسريب الامتحانات.
الغش في الثانوية العامة
وفي الوقت الذي يرى فيه نواب أن المشكلة أعمق من مجرد أدوات الغش، محذرين من آثارها السلبية على مستقبل الطلاب والدولة، ترتفع المطالب بضرورة إصلاح بيئة التعليم وبناء قيم النزاهة والمحاسبة، مع تشديد الإجراءات الأمنية والتربوية داخل اللجان لضمان نزاهة الامتحانات.
أزمة قيم وانضباط
أكد النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن تكرار حالات الغش في امتحانات الثانوية العامة يعد انعكاسًا لخلل أعمق في المنظومة التعليمية والتربوية داخل المدارس، مشددًا على أن المشكلة تتجاوز مجرد استخدام وسائل الغش، لتصل إلى ضعف في بناء القيم والانضباط داخل البيئة التعليمية.
وأوضح البياضي في تصريحات لـ “البرلمان”، أن ما يشهده الواقع التعليمي حاليًا يكشف عن تراجع دور المدرسة في تشكيل شخصية الطالب، إلى جانب انحسار دور المعلم كمربٍ وقدوة، وليس فقط ناقلًا للمعلومة، وهو ما أدى إلى غياب النموذج الذي يحتذي به الطلاب داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي جعل الغش لدى البعض سلوكًا مقبولًا لا يثير الشعور بالذنب.
الوسائل التكنولوجية المستخدمة في الغش
وأشار عضو مجلس النواب إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الوسائل التكنولوجية المستخدمة في الغش، بل في العقلية التي ترسخ لديها أن النجاح يمكن تحقيقه دون جهد، وفي بيئة لم تعد تغرس قيم الاستحقاق واحترام العمل، مؤكدًا أن الطالب يتأثر بالمناخ العام داخل المدرسة، بما يشمله من ممارسات وسلوكيات، أكثر من تأثره بالمحتوى الدراسي فقط.
وأضاف البياضي أن معالجة الظاهرة يجب أن تبدأ من داخل المدرسة، وليس فقط خلال موسم الامتحانات، من خلال استعادة دورها كمؤسسة تربوية قبل أن تكون جهة تقييم، لافتًا إلى أهمية أن يتحلى المسؤولون والمعلمون بالنزاهة والانضباط، وأن يكونوا قدوة حقيقية للطلاب.
تطبيق مبدأ المحاسبة بشكل عادل وحاسم،
وشدد على ضرورة تطبيق مبدأ المحاسبة بشكل عادل وحاسم، بحيث يشمل جميع الأطراف دون استثناء، بدءًا من القيادات التعليمية وصولًا إلى الطلاب، مؤكدًا أن غياب المساءلة كان أحد أبرز الأسباب التي ساهمت في تفاقم الظاهرة.
ولفت إلى خطورة ما يُعرف بلجان “أولاد الأكابر”، معتبرًا أنها تقوض مبدأ تكافؤ الفرص وتضرب العدالة في مقتل، حيث ترسل رسالة سلبية للطلاب بأن النفوذ قد يتيح تجاوز القواعد، وهو ما يضعف ثقتهم في المنظومة التعليمية.
إعادة الاعتبار لدور المعلم
وأكد النائب فريدي البياضي أن مواجهة الغش تتطلب إصلاحًا شاملًا للمنظومة التعليمية، يشمل إعادة الاعتبار لدور المعلم مهنيًا وأخلاقيًا، واختيار القيادات التعليمية على أساس الكفاءة والنزاهة، إلى جانب تطوير أساليب التقييم بما يعزز الفهم ويحد من الاعتماد على الحفظ.
وفيما يتعلق بمقترحات استخدام وسائل تقنية مثل التشويش على الاتصالات، أوضح البياضي أنها قد تمثل إجراءً مساعدًا للحد من الغش الإلكتروني، لكنها لا تمثل حلًا جذريًا، مؤكدًا أن الأزمة أعمق من أن تُعالج بإجراءات فنية فقط.
من جانبها، حذرت الدكتورة حنان حسني يشار، عضو لجنة التعليم بمجلس النواب السابق، من أزمة الغش في امتحانات الثانوية العامة، وعلى رأسها استخدام سماعات الغش، مطالبة وزارة التربية والتعليم باتخاذ الاجراءات اللازمة والاستعداد بشكل تام لمواجهة تلك الأزمة.
أزمة الغش بالثانوية العامة
وأضافت يشار في تصريحات لموقع “البرلمان” أن أزمة الغش بالثانوية العامة، تمثل خطرًا حقيقيًا على مستقبل الطلاب والدولة، مشددة على أن التعامل مع الغش باعتباره أمرًا عاديًا بهدف الحصول على مجموع مرتفع هو “ضياع للأبناء وللوطن”، لافتة إلى أن غياب التربية السليمة التي ترفض الغش منذ الصغر أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم الأزمة.
خللا تربويا وضغط أولياء الأمور على الطلاب
وأشارت عضو مجلس النواب السابق، إلى أن ضغوط أولياء الأمور المبالغ فيها على أبنائهم لتحقيق أعلى المجاميع تعد من أخطر أسباب لجوء الطلاب إلى الغش، لافتة إلى أن بعض أولياء الأمور يقومون بدفع ثمن سماعات الغش لأبنائهم، ما يعكس خللًا تربويًا خطيرًا.
رسوب الطلاب في المرحلة الأولى من التعليم الجامعي وأضافت أن الغش في الثانوية العامة ينتهي إلى دخول طلاب كليات لا تتناسب مع قدراتهم الحقيقية، وهو ما يفسر رسوب نسب كبيرة من طلاب السنة الأولى بالجامعات، مشيرة إلى أن نسبة النجاح في إحدى السنوات بكلية طب أسيوط لم تتجاوز 18%، نتيجة دخول طلاب غير مؤهلين علميًا بسبب الغش.
كما حذرت من وجود لجان يتم فيها إرهاب المراقبين والمشرفين على الامتحانات وتخويفهم للسماح بالغش، مؤكدة أن الغش في التعليم هو بداية خراب الدولة، لأنه يفرز موظفين بلا كفاءة، وأطباء يتسببون في وفاة المرضى، ومهندسين تؤدي أخطاؤهم إلى انهيار العقارات.
مافيا جروبات الغش
ونوهت الدكتورة حنان حسني إلى وجود “مافيا” جروبات منظمة على تطبيق “تليجرام” للترويج لغش الثانوية العامة وتسريب الامتحانات، مؤكدة أن هذه الجروبات ممولة وتعمل بشكل منظم، ما يستدعي تكاتف وزارات التعليم والاتصالات والداخلية للتصدي لها من المنبع.
وتساءلت عن مصدر تسريبات الامتحانات، مؤكدة أن ما يُعرف بـ”شاومينج” لا يحصل على التسريبات من فراغ، بل من داخل منظومة الامتحانات نفسها، مطالبة بضرورة انتقاء القائمين على وضع وتنظيم الامتحانات على أعلى مستوى من النزاهة والكفاءة، وتطبيق عقوبات رادعة تصل إلى الحبس بحق من يثبت تورطه في تسريب الامتحانات.
توجيهات الرئيس السيسي بشأن امتحانات الثانوية
وأشادت النائبة بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشديد إجراءات مكافحة الغش في امتحانات الثانوية العامة، معربة عن أملها في أن تسهم هذه التوجيهات في إحداث “ثانوية عامة مختلفة” خالية من الغش.
وشددت على أن حل أزمة الثانوية العامة لا يقتصر على وزارة التعليم فقط، بل يتطلب تركيب بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة داخل اللجان، وتدخلًا أمنيًا لحماية المدارس ومنع تدخل الأهالي أو الضغط على المراقبين، لضمان نزاهة الامتحانات وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.







